شريط الاخبار

النموذج الصيني.. الخلاص لازمات مصر بقلم: اوفير فينتر ودورون آلا الملحق الاستراتيجي 22/8/2019

تذكر الصين في الأشهر الأخيرة في الخطاب الرسمي في مصر، في أحيان كثيرة، كقدوة للقاهرة في وضع مخططاتها الاقتصادية. “نموذج التنمية الصيني” – كما يسمى في الصين وفي أرجاء العالم – يتماثل في مصر مع الحداثة: التقدم العلمي، وجذب الاستثمارات الخارجية، والاندماج في الاقتصاد العالمي، وإقامة مشاريع كبرى،تجلب معها معدلات نمو عالية وتسمح بالمواجهة الناجحة لتحديات التكاثر السكاني وتقليص الفقر. هذا إضافة إلى أن “قصة النجاح” الصيني تستهدف مساعدة نظام عبد الفتاح السيسي على أن يبرر أمام الجمهور هدفاً داخلياً وخارجياً للنموذج السياسي المطبق في مصر. يؤتى بالصين كدليل على أن الحكم مخول، ومركزي وناجع، يدمج مزايا اقتصاد السوق الحرة، وحيوي لتحقيق الأهداف الوطنية لدولة نامية كمصر. ويعكس النقاش في النموذج الصيني الاعتراف القائم في مصر بالحاجة إلى شد المنظومات الاقتصادية. ولكن يبدو أنه يستخدم حتى الآن كأداة إعلامية وكمصدر إلهام، ومشكوك جداً أن بوسعه التطبيق كخطة عمل مرتبة وعامة. بين ميدان التحرير وميدان تيانمن يتطلع نظام السيسي في السنوات الأخيرة إلى دول تكون تجربتها وإنجازاتها في مجالات التنمية والاقتصاد كفيلة بأن تساعد في نجاح الإصلاحات في مصر، بما فيها “النمور الآسيوية”، الهند، وماليزيا بل إسرائيل أحياناً. ولكن الصين هي نموذج الاقتداء الأكثر حديثاً في مصر. في لقاء مع الرئيس الصيني شاي جينفينك، في نيسان 2019، شدد السيسي على أن بلاده معنية باستخلاص نفع من التجربة الصينية لإجراء إحياء اقتصادي عام. وبالتوازي، دعت عشرات المقالات في الصحف المصرية الرسمية في الآونة الأخيرة إلى الاستعانة بالنموذج الصيني في وضع الرؤية الاقتصادية لمصر في مجالات مختلفة، وعلى رأسها: التنمية الاقتصادية المصرية وجعله اقتصاداً إنتاجياً وتنافسياً ينخرط في السوق العالمية، ومواجهة تحديات التكاثر السكاني والفقر؛ والتعليم المتناسب مع احتياجات سوق العمل؛ والاستثمار في التحديث التكنولوجي؛ وإقامة منظومة اقتصادية متنوعة. يتضمن النموذج الصيني في أصله عنصرين أساسيين؛ على المستوى الاقتصادي: نقل عناصر من اقتصادات السوق الليبرالية من خلال فتح الأسواق الداخلية أمام التجارة والاستثمارات المحلية والأجنبية، والدفع إلى الأمام بسوق عمل دينامي، وتخفيض الضرائب والأنظمة المحلية والاستثمار في تنمية البنية التحتية العامة المتطورة، في ظل تمويل متداخل من الأفراد والدولة. وعلى المستوى السياسي: حفظ وتعزيز حكم سلطوي لحزب واحد، يكون للحزب في إطاره تحكم حصري بالحكومة، والمحاكم، والجيش، وأجهزة الأمن الداخلي، وكذا الضخ الحر للمعلومات في الدولة. وهدف هذا النموذج هو خلق وحفظ توازن بين تنمية اقتصادية مع مزايا ليبرالية محدودة واستقرار سياسي يعتمد على حكم سلطوي. ميزة أخرى لنموذج التنمية الصينية يتناول تنمية اقتصادية تدريجية، تعطي أولوية لمناطق جغرافية ذات قابلية للتنمية ولقطاعات اقتصادية مختارة. وصف رئيس اتحاد الصحافيين المصريين ورئيس مجلس إدارة الأهرام، عبد المحسن سلامة، الصين كقدوة لقدرة الدولة النامية على أن تصبح الاقتصاد الثاني في حجمه في العالم. ففي مقال نشره في نيسان قال إن “المعجزة الصينية” هي نتيجة إصلاح اقتصادي بدأه زعيم الصين، دينج شياو بينج، في الأعوام 1978 – 1992، والذي أقام الصناعة، وطور بنى تحتية من الطرق، والمياه، والهاتف والكهرباء، وجعل الصين مركز جذب للاستثمارات والمستثمرين الأجانب. ووفقاً للاستعارة التي طرحها سلامة، فإن الإصلاح الاقتصادي الذي يقوده السيسي يتقدم هو أيضاً في تنمية البنى التحتية للطاقة، والكهرباء، والمياه، والمجاري، والطرق، والجسور، والأنفاق، والمدن والطرق السريعة بين المدن. ومثل الصين، هكذا قدر، ستصبح مصر مركزاً لاجتذاب الاستثمارات الخارجية تبعاً لاستقرار سعر العملة، لتحسين التصنيف الائتماني للدولة واستعادة ثقة الهيئات الاقتصادية العالمية باستقرار الدولة واستقرار اقتصادها. إن الحديث عن الصين كنموذج يعبر عن رغبة النظام المصري في التعلم من تجربتها، هو التقرب منها وتوثيق التعاون معها -ولا سيما حول قناة السويس– في مجالات التكنولوجيا، والاستثمارات، والتجارة، والنقليات البحرية والسياحة. فضلاً عن ذلك، فإن المقارنة بالصين تستهدف تعزيز ثقة الجمهور المصري بالنتائج الإيجابية لخطة الإشفاء الاقتصادي التي ينتهجها النظام منذ تشرين الثاني 2016 بالتعاون مع صندوق النقد الدولي. والتعلق بالنجاح الصيني يستهدف تجنيد إجماع عام واسع لإجراءات أليمة – على رأسها تخفيض الدعم الحكومي لمنتجات الوقود والغذاء – والكفيلة بإعطاء أساس ثمارها في المدى المتوسط – البعيد. في الوقت الذي ينسب النظام المصري لخطواته إنجازات اقتصادية عمومية طيبة، على رأسها نمو بمعدل 5.5 في المئة، والذي لا يزال بعيداً عن معدلات النمو الصينية (التي وصلت في العقود السابقة إلى نحو 10 في المئة في المتوسط) وارتفاع في الاستثمارات الأجنبية (ولا سيما في مجال الغاز)، فهذه لم توفر بعد جواباً لغلاء المعيشة والفقر اللذين يثقلان على أبناء الطبقة الوسطى والدنيا. إن رفع النموذج الصيني إلى مستوى المثال الأعلى يخدم النظام المصري من ناحية أخرى: فهو يسمح بمنح شرعية لنموذج سلطوي يضع تشديداً على الاستقرار، والتنمية والبناء، وبقدر أقل من ذلك على الحريات والديمقراطية. ففي سلسلة مقالات نشرها جمال عبد الجواد، رئيس مركز “الأهرام” سابقاً، زعم أن على مصر أن ترجح النموذج الصيني السلطوي على النموذج الهندي الديمقراطي، لأن الأول أثبت نفسه على مدى الزمن كمن يضمن نظاماً للدولة مع تنمية اقتصادية متسارع. وبالفعل، فإن الشرعية التي يطلبها النظام المصري من مواطنيه تقوم على أساس ثقتهم بإنجازاته الأمنية والاقتصادية، وليس على أساس إقامة ديمقراطية برلمانية وفقاً للنموذج الغربي. فضلا ًعن ذلك، فإن الصين هي حضارة ذات تراث قديم ومميز. وتحولها المتجدد إلى قوة عظمى عالمية يعتبر في نظر المصريين دليلاً على أن ليس من واجب بلاد النيل أن تتبنى نموذجاً غربياً “غريباً” كي تحظى بالتقدم، وأن بوسعها أن تصمم نموذجاً “وطنياً” يتناسب مع تراثها، احتياجاتها وقيمها. النموذج الصيني كنموذج إقليمي إن مسألة ملاءمة النموذج الصيني مع مصر تبعث أصداء إقليمية أيضاً. في السنوات الأخيرة يطرح السؤال: هل بوسع نموذج التنمية الصيني أن يتحدى، بل وأن يحل محل الغربي، الذي يروج لقيم السوق الحرة ومفاهيم الديمقراطية الليبرالية في الدول النامية؟ على هذه الخلفية، فإن انتصار السيسي في الانتخابات الرئاسية في آذار 2018 والاستفتاء الشعبي على تعديل الدستور المصري في نيسان 2019 أثار خلافاً حول النموذج السلطوي المناسب للدول العربية في عصر ما بعد الربيع العربي. فقد رأى قادة الاحتجاج السياسي في الجزائر والسودان، في تثبيت النموذج السلطوي في مصر، إشارة تحذير من ثورات رفعت في بدايتها وعوداً بالحرية وبالديمقراطية، ولكنها انتهت بنظام جديد قديم يوجهه الجيش. بالمقابل، تابعت مصر بقلق الهزات السياسية في الجزائر والسودان خوفاً من أن تؤثر هذه سلباً على استقرارها ودافعت عن النظام السلطوي المنسوب لها، والذي يستمد اليوم الإلهام من النموذج الصيني، كنظام يضمن النظام، والأمن، والرفاه المادي، والشرف الوطني والمكانة الدولية. خلاصة ومعان “النموذج الصيني يؤدي دوراً إعلامياً في مساعي النظام المصري لكسب شرعية جماهيرية لخطواته الاقتصادية التي يفترض أن تعطي ثمارها في المدى المتوسط والبعيد. والاعتماد الإعلامي على هذا النموذج يستهدف التسهيل على الجمهور المصري التفريق بين الضائقة في الحاضر وبين الرفاه المنشود الموعود في المستقبل. في هذه المرحلة يتبين أن مصر تسعى إلى الدمج بين عناصر نموذج التنمية الغربي ونموذج التنمية الصيني، الذي يشبه في بعض من مزاياه الاقتصادية تلك الغربية، ولكنه يرفض مزاياها السياسية. إن مكانة النظام السيسي ستتأثر في السنوات المقبلة بقدر كبير بنجاح هذه الاستراتيجية في أن تكون مفتاحاً لازدهار مصر الاقتصادي وخلاصاً لها من أزماتها. بقلم: اوفير فينتر ودورون آلا نظرة عليا 22/8/2019
Top